فخر الدين الرازي

209

تفسير الرازي

جائز ، لأن الأمراض المنفرة من القبول غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام فهذا جملة ما قيل في هذه الحكاية . المسألة الثالثة : قال صاحب " الكشاف " قوله تعالى : * ( أني مسني الضر ) * أي ناداه بأني مسني الضر ، وقرئ إني بالكسر على إضمار القول أو لتضمين النداء معناه ، والضر بالفتح الضرر في كل شيء ، وبالضم الضرر في النفس من مرض وهزال . المسألة الرابعة : أنه عليه السلام ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب ، فإن قيل : أليس أن الشكوى تقدح في كونه صابراً . والجواب : قال سفيان بن عيينة رحمه الله من شكا إلى الله تعالى فإنه لا يعد ذلك جزعاً إذا كان في شكواه راضياً بقضاء الله إذ ليس من شرط الصبر استحلاء البلاء ، ألم تسمع قول يعقوب عليه السلام : * ( إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ) * ( يوسف : 86 ) أما قوله : * ( وأنت أرحم الراحمين ) * فالدليل على أنه سبحانه : * ( أرحم الراحمين ) * أمور . أحدها : أن كل من رحم غيره فأما أن يرحمه طلباً للثناء في الدنيا أو الثواب في الآخرة أو دفعاً للرقة الجنسية عن الطبع ، وحينئذ يكون مطلوب ذلك الراحم منفعة نفسه ، أما الحق سبحانه فإنه يرحم عباده من غير وجه من هذه الوجوه ، ومن غير أن يعود إليه من تلك الرحمة زيادة ولا نقصان من الثناء ومن صفات الكمال ، فكان سبحانه أرحم الراحمين . وثانيها : أن كل من يرحم غيره فلا يكون ذلك إلا بمعونة رحمة الله تعالى لأن من أعطى غيره طعاماً أو ثوباً أو دفع عنه بلاء ، فلولا أنه سبحانه خلق المطعوم والملبوس والأدوية والأغذية وإلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشيء ، ثم بعد وصول تلك العطية إليه ، فلولا أنه سبحانه جعله سبباً للراحة لما حصل النفع بذلك ، فإذاً رحمة العباد مسبوقة برحمة الله تعالى وملحوقة برحمته بل رحمتهم فيما بين الطرفين كالقطرة في البحر ، فوجب أن يكون تعالى هو أرحم الراحمين . وثالثها : أن الله تعالى لو لم يخلق في قلب العبد تلك الدواعي والإرادات لاستحال صدور ذلك الفعل عنه ، فكان الراحم هو الحق سبحانه ، من حيث إنه هو الذي أنشأ تلك الداعية ، فثبت أنه أرحم الراحمين فإن قيل كيف يكون أرحم الراحمين مع أنه سبحانه ملأ الدنيا من الآفات والأسقام والأمراض والآلام وسلط البعض على البعض بالذبح والكسر والإيذاء ، وكان قادراً على أن يغني كل واحد عن إيلام الآخر وإيذائه ؟ والجواب : أن كونه سبحانه ضاراً لا ينافي كونه نافعاً ، بل هو الضار النافع فإضراره ليس لدفع مشقة وإنفاعه ليس لجلب منفعة ، بل لا يسأل عما يفعل . أما قوله تعالى : * ( فاستجبنا له ) * فإنه يدل على أنه دعا ربه ، لكن هذا الدعاء قد يجوز أن يكون واقعاً منه على سبيل التعريض ، كما يقال إن رأيت أو أردت أو أحببت فافعل كذا . ويجوز أن يكون على سبيل التصريح وإن كان الأليق بالأدب وبدلالة الآية هو الأول ، ثم إنه سبحانه بين أن كشف ما به من ضر وذلك يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله ، وبين الله تعالى أنه آتاه أهله ويدخل